أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

283

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

نحو : قام قياما وصام صياما ، ولذلك صحّ « لواذ » لصحّة فعله في قولهم : لاوذ ، وأمّا « ديّار » فهو من لفظة الدّار ، وأصله ديوار ، فاجتمع الياء والواو فأعلّا على القاعدة المعروفة فوزنه : فيعال لا فعّال ، إذ لو كان فعّالا لقيل : دوّار كصوّام وقوّام . والدار مجتمع القوم من الأبنية . وقال الخليل : « كلّ موضع حلّه الناس ، وإن لم يكن أبنية » . وقرئ : « تسفكون » بضم الفاء « 1 » ، و « تسفّكون » من سفّك مضعفا ، « وتسفكون » من أسفك الرباعي . وقوله : دِماءَكُمْ يحتمل الحقيقة وقد وجد من قتل نفسه ، ويحتمل المجاز وذلك من أوجه : أحدها : إقامة السبب مقام المسبّب ، أي : إذا سفكتم دم غيركم فقد سفك دمكم ، وهو قريب من قولهم : « القتل أنفى للقتل » . قال : 587 - سقيناهم كأسا سقونا بمثلها * ولكنهم كانوا على الموت أصبرا « 2 » وقيل : « المعنى : لا يسفك بعضكم دم بعض » واختاره الزمخشري . وقيل : « لا تسفكوها بارتكابكم ما يوجب سفكها كالارتداد ونحوه » . قوله : ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ قال أبو البقاء : فيه وجهان : أحدهما : أنّ « ثمّ » على بابها في إفادة العطف والتراخي . والمعطوف عليه محذوف تقديره : فقبلتم ثم أقررتم . والثاني : أن تكون « ثمّ » جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه ، كقوله تعالى : ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ « 3 » . قوله : وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ كقوله : وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ « 4 » . قوله تعالى : أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ : فيه سبعة أقوال : أحدها : وهو الظاهر أنّ « أنتم » في محلّ رفع بالابتداء و « هؤلاء » خبره . و « تقتلون » حال العامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفعل ، وهي حال منه ليتّحد ذو الحال وعاملها ، وتحقيق هذا مذكور في غير هذا [ المكان ] وقد قالت العرب : « ها أنت ذا قائما » ، و « ها أنا ذا قائما » ، و « ها هو ذا قائما » ، فأخبروا باسم الإشارة عن الضمير في اللفظ ، والمعنى على الإخبار بالحال ، فكأنه قال : أنت الحاضر وأنا الحاضر وهو الحاضر في هذه الحال . ويدلّ على أنّ الجملة من قوله « تقتلون » حال وقوع الحال الصريحة موقعها ، كما تقدّم في : ها أنا ذا قائما ونحوه ، وإلى هذا المعنى نحا الزمخشري فقال : « ثم أنتم هؤلاء » استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم ، وإقرارهم وشهادتهم ، والمعنى : « ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء الشاهدون » ، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين ، تنزيلا لتغيّر الصفة منزلة تغيّر الذات ، كما تقول : رجعت بغير الوجه الذي خرجت به . وقوله « تقتلون » بيان لقوله : ثم أنتم هؤلاء . قال الشيخ « 5 » كالمعترض عليه كلامه : « والظاهر أنّ المشار إليه بقوله : « أنتم هؤلاء » المخاطبون أولا ، فليسوا

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 289 ) . ( 2 ) البيت للنابغة الجعدي انظر ديوانه ( 73 ) ، والحماسة ( 1 / 97 ) ، والهمع ( 2 / 104 ) ، الدرر ( 2 / 137 ) . ( 3 ) سورة يونس ، آية ( 46 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 83 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 290 ) .